ابن عجيبة
191
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
التوجه إلى الله ، وجوارحهم عن طاعة الله . فالغافل والعاصي بين هذه الثلاثة ، إن لم يقلع ويتب . والله تعالى أعلم . ثم أمرهم بالإعراض عن أهل الإعراض ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 159 ] إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 159 ) يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ؛ فآمنوا بالبعض وكفروا بالبعض ، وهم اليهود والنصارى ، وقيل : أهل الأهواء والبدع ، فيكون إخبارا بغيب ، وفي الحديث أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة . قيل : يا رسول الله ، وما تلك الواحدة ؟ قال : « من كان على ما أنا عليه وأصحابي » . وقرىء : « فارقوا ، أي : تركوا دينهم ، وَكانُوا شِيَعاً ؛ جمع شيعة ، أي : فرقّا متشيعة ، كل فرقة تتشيع لمذهبها وتتشيع إمامها ، أي : تنتسب إليه . لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ أي : أنت برئ منهم ، فلست في شئ من السؤال عنهم وعن تصرفهم ، أو عن عقابهم ، وقيل : هو نهى عن التعرض لهم ؛ فيكون منسوخا بآية السيف ، إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ يتولى جزاءهم ، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ من التفرق فيعاقبهم عليه . الإشارة : الافتراق المذموم ، إنما هو في الأصول ؛ كالتوحيد وسائر العقائد ، فقد افترقت المعتزلة وأهل السنة في مسائل منه ، فخرج من المعتزلة اثنان وسبعون فرقة ، وأهل السنة هي الفرقة الناجية ، وأما الاختلاف في الفروع فلا بأس به ، بل هو رحمة لقوله - عليه الصلاة والسلام - : « خلاف أمتي رحمة » ، كاختلاف القراء في الروايات ، واختلاف الصوفية في كيفية التربية ، فكل ذلك رحمة وتوسعه على الأمة المحمدية ، إذ كل من أخذ بمذهب منها فهو سالم ، مالم يتبع الرخص . وقال بعضهم : ما دامت الصوفية بخير ما افترقوا ، فإذا اصطلحوا فلا خير فيهم . ومعنى ذلك : إنما هو في التناصح والإرشاد والنهى بعضهم لبعض عما لا يليق في طريق السير ، فإذا سكت بعضهم عن بعض ؛ مداهنة وحياء فلا خير فيهم ، وأما قلوبهم فلا بد أن تكون متفقة متوددة ، لا بغض فيها ولا تحاسد ، وإلا لم يكونوا صوفية . واللّه تعالى أعلم . ثم رغّب في الخير قبل فوات إبانه ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 160 ] مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 160 )